فبراير 26, 2026
المفكر العربي علي محمد الشرفاء

المفكر العربي علي محمد الشرفاء

لقد جاء الخطاب الإلهي في القرآن الكريم ليحرر الفكر من الاستسلام للأمم السابقة، وليطلق حرية العقيدة وحرية التفكير، حتى يوظف الإنسان تلك الحرية في البحث والاستنتاج والإبداع, واستنباط العلوم في شتى مجالات الحياة.

وقد بيّن الله سبحانه أن التزام الناس بما ورثوه من السابقين دون تدبر أو تعقل، إنما هو عائق أمام إدراك مقاصد آياته، فقال تعالى: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ) (الزخرف: 22).

وهو خطاب يرفض التقليد الأعمى، ويدعو الناس إلى التدبر فيما أنزل الله من آيات، بعيدًا عن أسر الموروثات التي قد تحجب عنهم نور الحقيقة.
ومن هنا، يؤكد القرآن أن حرية العقيدة أصل من أصول الدين، وأن الحساب مرجعه إلى الله وحده يوم القيامة، حيث يقول سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (الحج: 17).

وبذلك، يرفع الله عن البشر سلطة الحكم على عقائد الناس، ويجعل الفصل في ذلك إليه وحده العليم بخلقه، والشهيد على أعمالهم.

ولذلك، فإن الله سبحانه وتعالى أراد ألا تكون اجتهادات السابقين قيدًا على العقول، ولا مانعًا من التدبر في آياته ومعرفة مقاصدها لخير الإنسانية، فغاية الرسالة تصحيح الفهم لما شاب الإسلام من غبار التراث، وتنقية مقاصده العظمى التي تهدي الإنسان إلى طريق الخير والسلام.

كما أن الانحراف عن هذه القاعدة القرآنية، كان سببًا رئيسيًا في الفتن والاقتتال بين المسلمين، حين استبدلت حرية الاختيار التي كفلها القرآن بمرجعيات بشرية تدّعي الوصاية على الناس.

وهنا، يجب أن نشير إلى أن المسلمين ارتضوا مرجعيات دينية وضعية من صنع البشر، وأضافوا عليها قداسة وغلوّا، فاتخذوا من أحاديثهم ورواياتهم حجة على رسالة الإسلام (القرآن الكريم)، مما جعل أكثر الناس ينصرفون عما أنزله الله على رسوله في كتاب مبين.

ويجب أن نعلم أن الله سبحانه وتعالى قد أمر الناس أن يصوموا بكتابه العزيز وحده، وأن يلتفوا خلف الرسول الذي بلّغ ما أوحى الله إليه دون زيادة أو نقصان، فقال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: ١٠٣).

غير أن انصراف المسلمين عن هذه المرجعية، فتح الباب للفرقة والتشرذم، وتحولت الأمة إلى شيع وطوائف يقاتل بعضها بعضًا، في مخالفة صريحة لحرية العقيدة التي أرادها الله للإنسان، ولقاعدة التوحيد التي جمعت الناس على كتاب واحد.

ويجب أن نعرف جيدًا أن الأصل في الإيمان هو الاختيار الحر، وأن الله سبحانه وتعالى لا يقبل من الناس أن يتبعوا الروايات والأهواء، بل ألزمهم بمرجعية واحدة هي القرآن الكريم، فقال: إما أن نؤمن بالله الواحد الأحد وبكتابه القرآن الكريم هاديًا ومرشدًا لنا، وإما أن نتبع الروايات التي لا تستند إلى برهان. وهكذا، فإن الإيمان الحقيقي لا يتحقق بالإكراه ولا بالتقليد، وإنما بالاقتناع والالتزام بالميثاق مع الله.

ومن هنا، يتضح أن حرية العقيدة ليست منحة بشرية ولا شعارًا فلسفيًا، بل هي تكليف إلهي، ورسالة قرآنية ثابتة، وشرط أساس لقيام مجتمع العدل والرحمة والسلام.
فالإسلام لم يأتِ ليجعل الناس نسخًا متشابهة، بل ليترك لهم حرية الاختيار، على أن يكون الحساب يوم القيامة بين يدي الله وحده. قال سبحانه: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة: 256).

وهكذا، فإن الإسلام يثبت قاعدة ذهبية لا تقبل التبديل: لا وصاية لأحد على ضمير أحد، ولا سلطان لبشر على عقيدة بشر، فالحكم الله وحده، والإيمان اختيار فردي حر، والتدبر في القرآن سبيل الإنسان إلى النجاة يوم الحساب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *