فبراير 28, 2026

بقلم: رائف الخولي

في كتابه «المسلمون بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي»، يقدم المفكر العربى الكبير علي محمد الشرفاء الحمادي قراءة نقدية جريئة لأحد أخطر الإشكاليات التي تعصف بالواقع الإسلامي المعاصر: الصراع بين النص القرآني الخالد، وبين المرويات البشرية التي تراكمت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتحولت إلى خطاب ديني مهيمن على عقول المسلمين ووجدانهم.

يأتي هذا العمل كصرخة وعي صادقة، في زمن امتلأت فيه الساحة العربية والعالمية بمشاهد مرعبة من الإرهاب والتكفير والاقتتال الطائفي، تُرتكب كلها باسم الإسلام.

ومن هنا، يضع الكاتب يده على الجرح مباشرة، فيميز بين الخطاب الإلهي المتمثل في القرآن الكريم، والخطاب الديني الذي أنتجته قرون من التفسيرات والروايات التي أبعدت المسلمين عن جوهر دينهم.ما يميز هذا الكتاب هو شجاعته الفكرية؛ فالكاتب لا يكتفي بالنقد، بل يسعى لإعادة الاعتبار إلى القرآن الكريم باعتباره المرجعية الوحيدة للمسلمين، مبرئًا النص المؤسس من كل الاتهامات التي لاحقته زورًا، مثل معاداة العلم أو الدعوة إلى العنف أو اضطهاد المرأة.

إن هذا الموقف يجعل الكتاب أقرب إلى دعوة إصلاحية شاملة تعيد الإسلام إلى أصالته ورسالته الإنسانية.

مقتطفات من النص

يقول المؤلف في مقدمة الكتاب، وهو يرسم إطار فكرته:«إنَّ هذه الأحداث المروعة أدت بالكثير من الباحثين إلى القول بضرورة مراجعة الخطاب الديني وتغييره وتجديده وتحريره من النصوص والروايات والتفاسير الفقهية التي تبرر كل هذا الكم من العنف والإرهاب… وفي هذا السياق تجيء محاولة الباحث الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، في كتابه «المسلمون بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي»»ويضيف موضحًا الفرق بين الخطابين:«الخطاب الديني هو كل النصوص التي أضيفت للسردية المقدسة الأصلية – القرآن الكريم – من تراث ديني متراكم بعد وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم… أما الخطاب الإلهي فهو النص المؤسس للدين الإسلامي، وهو القرآن الكريم»كما يحدد بوضوح مهمة دراسته:«يبذل الباحث جهدًا كبيرًا من أجل الدفاع عن هذا النص المؤسس وتبرئته مما نسب إليه من اتهامات باطلة مثل: معاداة العلم، التعصب، العنف، الجمود، كراهية الآخر، النزعة القتالية، اضطهاد المرأة…»هذه المقتطفات تكشف عن المنهج الذي يسير عليه المؤلف: العودة إلى القرآن، وإزالة كل ما تراكم حوله من شوائب شوهت صورة الإسلام عالميًا.من يقرأ هذا الكتاب بتمعن، يدرك أن علي محمد الشرفاء لا يطرح مجرد آراء جدلية أو طروحات عابرة، بل يقدم مشروعًا فكريًا تحريريًا يعيد للمسلمين صلتهم المباشرة بالخطاب الإلهي.

إن تمييز الكاتب بين «الخطاب الديني» و«الخطاب الإلهي» يمثل خطوة ثورية؛ فالمسلمون عاشوا قرونًا طويلة يخلطون بين ما هو وحي إلهي قطعي الثبوت، وبين ما هو اجتهاد بشري قابل للخطأ والصواب.

هذا الخلط جعل الروايات والتفاسير في كثير من الأحيان أعلى سلطة من القرآن نفسه، حتى صار النص القرآني معطلاً لصالح رواية أو قول منسوب إلى أحد الصحابة أو التابعين.

الكاتب هنا يتصدى لهذه المعضلة، ويعيد بناء الوعي على أساس المرجعية القرآنية وحدها. وهو في ذلك يلتقي مع جوهر الرسالة الإسلامية التي نزلت لتكون نورًا وهداية للناس، لا سجنًا فكريًا أو أداة للقتل والتكفير.

من النقاط المضيئة في تحليل الكاتب أنه يبرئ القرآن من الصور النمطية التي ألصقها به خصوم الإسلام وأعداؤه، حين ربطوه بالعنف أو كراهية المرأة أو الجمود الفكري.

يؤكد المؤلف أن القرآن على العكس تمامًا: رسالة حب ورحمة وعدل وتسامح وعقلانية، تدعو الإنسان إلى التفكير والتدبر والسعي في الأرض بالخير.

كما يوضح أن مشكلة المسلمين اليوم ليست في الإسلام ذاته، بل في الخطاب الديني الذي صاغته عقول بشرية متأثرة بظروفها وصراعاتها، فاختزلت الدين في طقوس شكلية أو في أحكام قاسية لا تعكس مقاصد القرآن الكبرى. وبذلك، يُحَمِّل الكاتب مسؤولية التشرذم والتكفير والاقتتال إلى هذا الخطاب البشري، داعيًا المسلمين إلى الاختيار بين طريقين لا ثالث لهما:إما العودة إلى كتاب الله كمرجع وحيد، أو الاستمرار في اتباع الروايات التي فرقتهم شيعًا وأحزابًاهذا الطرح يكتسب أهميته من أنه لا يكتفي بالنقد، بل يقدم حلًا واضحًا: القرآن هو الطريق، وكل ما عداه من مرويات لا يجب أن يعلو عليه.

وهي دعوة تحمل في طياتها مشروع وحدة للمسلمين جميعًا، بعيدًا عن الانقسامات المذهبية والطائفية. يضعنا الجزء الأول من الكتاب أمام رؤية تأسيسية بالغة الأهمية: التمييز الحاسم بين ما هو إلهي ثابت (القرآن)، وما هو بشري متغير (الخطاب الديني).

ومن خلال هذه الرؤية، ينجح المؤلف في وضع يده على السبب الجوهري لأزمات المسلمين، ويقترح العلاج المباشر: العودة إلى النص القرآني وحده.بهذا التأسيس، يمهد الكاتب الطريق أمام القارئ ليتتبع في الفصول التالية كيف تناول تفاصيل أركان الإسلام، والقيم الأخلاقية، ورسالة القرآن، والفرق بين الخطابين في الممارسة اليومية.وسوف نتابع في الجزء الثاني من هذا التحليل كيف يواصل المؤلف مشروعه في تفكيك أوهام «الخطاب الديني»، مبرزًا القيم الإنسانية السامية التي جاء بها الخطاب الإلهي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *