في رؤية المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي، لا تقف الزكاة عند حدود إخراج جزء من المال، وإنما تمثل منظومة قرآنية ذات أبعاد إنسانية واجتماعية واقتصادية، تستهدف تحقيق العدالة، وصون كرامة المحتاج، وإعادة التوازن داخل المجتمع.
ومن هذا المنطلق، يعيد الشرفاء قراءة مفهوم الزكاة من خلال تدبر الآيات القرآنية ذات الصلة، باحثًا في حقيقة المال، وحق الفقراء والمحتاجين فيه، ومقدار الزكاة، ووقت استحقاقها، والغاية التي شرعت من أجلها. ويرى أن فهم هذه الفريضة ينبغي أن يتجاوز الممارسة الشكلية إلى إدراك وظيفتها في بناء مجتمع متكافل، تتراجع فيه أسباب الفقر والحاجة، ولا تتحول فيه الثروة إلى وسيلة لتعميق الفوارق بين أفراده.
وتأتي هذه الرؤية في إطار مشروعه الفكري القائم على العودة إلى القرآن الكريم وتدبر آياته، ومحاولة استنباط المقاصد التي تحقق للإنسان والمجتمع قيم العدل والرحمة والتكافل والاستقرار.
الزكاة.. حق معلوم للمحتاجين
يرى الشرفاء أن القرآن الكريم جعل للمحتاجين حقًا معلومًا في أموال القادرين، مستندًا إلى قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾.
وبناءً على هذا الفهم، تصبح الزكاة أداة لتحقيق التوازن داخل المجتمع، بحيث لا يظل المال محصورًا في أيدي فئة محدودة، وإنما ينتقل جزء من ثماره إلى الفئات التي تحتاج إليه.
ويؤكد الشرفاء أن الغاية النهائية من الزكاة هي إقامة مجتمع متماسك، تتراجع فيه الحاجة والفقر، ويشعر فيه المحتاج بأن له حقًا مشروعًا في المال، وليس مجرد مساعدات تمنح له من باب التفضل.
نسبة الزكاة.. 20% من صافي الأرباح
ومن أبرز جوانب رؤية الشرفاء الحمادي للزكاة موقفه من النسبة المفروضة عليها، فبينما جرى العمل الفقهي الشائع على نسبة 2.5% في بعض صور زكاة المال، يرى الشرفاء أن هذه النسبة ليست محددة بنص قرآني صريح، ويطرح قراءة مختلفة تستند إلى قوله تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ سورة الأنفال: 41.
ويؤكد الشرفاء أن الخُمس يساوي 20%، ويرى أن الآية تحدد مقدار الحق الواجب في الأرباح والمكاسب، ولذلك يذهب إلى أن الزكاة تكون 20% من صافي الربح
الزكاة عند تحقق الربح
ومن الأفكار الأساسية في رؤية الشرفاء أن الزكاة لا ترتبط بمرور عام كامل على المال، وإنما يرتبط استحقاقها بتحقق الربح أو المكسب.
فإذا حقق الإنسان ربحًا من نشاط تجاري أو صناعي أو زراعي أو غيره، فإن استحقاق الزكاة يتحقق عند حصول المكسب، وفق النسبة التي يطرحها الشرفاء. ولذلك يرفض ربط الزكاة بموعد زمني ثابت إذا كان ذلك لا يتفق، في رؤيته، مع طبيعة الربح وتحقق المكسب.
الزكاة شراكة بين الغني والفقير
لا ينظر الشرفاء إلى الزكاة باعتبارها مجرد انتقال لجزء من المال من الأغنياء إلى الفقراء، وإنما باعتبارها علاقة تكافلية تحفظ استقرار المجتمع.
فالغني، في هذا التصور، لا يقدم للفقير مالًا من عنده، وإنما يؤدي حقًا معلومًا في المال الذي استخلفه الله عليه، بينما يحصل المحتاج على حقه بما يحفظ كرامته ويجنبه السؤال والحاجة.
ومن هنا تصبح الزكاة وسيلة لتقليص الفوارق الاجتماعية، وإزالة أسباب الحقد والحسد، وتعزيز مشاعر الرحمة والتعاون بين أفراد المجتمع.
الزكاة والأمن الاجتماعي
ويربط الشرفاء بصورة واضحة بين أداء الزكاة وتحقيق الأمن الاجتماعي؛ فالمجتمع الذي يحصل فيه المحتاج على حقه، ولا يجد فيه الفقير نفسه متروكًا لمواجهة أعباء الحياة وحده، يكون أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار.
ولهذا يرى أن تطبيق الزكاة وفق الغاية التي يطرحها القرآن يمكن أن يسهم في الحد من الفقر والحرمان، ويعيد للمال وظيفته الاجتماعية، بحيث يصبح أداة للبناء والاستقرار وليس سببًا في اتساع الفجوة بين طبقات المجتمع.
رؤية إصلاحية للزكاة
يمكن النظر إلى طرح علي محمد الشرفاء الحمادي باعتباره محاولة لإعادة قراءة وظيفة الزكاة من منظور اجتماعي واقتصادي، بحيث لا تظل الفريضة مرتبطة فقط بإخراج المال، وإنما تمتد إلى تحقيق مقصد أكبر يتمثل في حماية المجتمع من الفقر، وصيانة كرامة المحتاج، وتحقيق التوازن بين أفراد المجتمع.
وقد خصص الشرفاء كتابًا بعنوان «الزكاة.. صدقة وقرض حسن» لعرض هذه الرؤية، متناولًا مفهوم الزكاة وغايتها الاجتماعية ونصابها، وطرح من خلاله قراءة تدبرية للنصوص القرآنية المتعلقة بالزكاة.
