يطرح المفكر العربي الكبير علي محمد الشرفاء في مقال «العقد المقدس» رؤية فكرية تقوم على إعادة تعريف مفهوم الالتزام بالإسلام، موضحًا أن الدخول في الدين لا يقتصر على أداء العبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج، وإنما هو عقد بين الإنسان وربه، يلتزم بمقتضاه بتطبيق المنهج القرآني في حياته قولًا وعملًا.
ويركز المفكر العربي الكبير علي محمد الشرفاء على أن هذا العقد يتضمن منظومة متكاملة من القيم والتشريعات، في مقدمتها الرحمة والعدل والحرية والإحسان والتعاون وتحريم العدوان، بما يجعل الالتزام الحقيقي بالإسلام سلوكًا يوميًا ينعكس على علاقة الإنسان بنفسه وبالمجتمع من حوله.
يتميز طرح المفكر العربي الكبير علي محمد الشرفاء بوضوح الفكرة المركزية التي يبني عليها مقاله، وهي أن الأمانة التي حملها الإنسان تتمثل في الالتزام بالعقد المقدس وشروطه، وأن المسلم مطالب بأن يترجم إيمانه إلى واقع ملموس، لا أن يحصر الدين في الشعائر وحدها. ويرى أن الالتزام بالمنهج القرآني يؤدي إلى بناء مجتمع تسوده المساواة والعدل والتكافل، دون تمييز بين الناس بسبب العرق أو الدين أو المذهب أو اللون أو العقيدة.
كما يوضح المفكر العربي الكبير علي محمد الشرفاء أن الوفاء بهذا العقد ليس أمرًا سهلًا، بسبب الصراع المستمر بين الإنسان ونوازع النفس وإغراءات الشيطان، إلا أن قوة الإيمان والتمسك بقيم القرآن تظل الطريق إلى الالتزام الحقيقي. ويختزل المقال جوهر القدوة في شخصية الرسول عليه السلام، باعتباره النموذج الذي ترجم آداب القرآن وأخلاقياته إلى سلوك وتعامل قائم على الرحمة والعدل والإحسان والكلمة الطيبة والعفو والمساواة.
ومن أبرز ما يلفت في رؤية المفكر العربي الكبير علي محمد الشرفاء، تأكيده أن اختزال الإسلام في العبادات أدى إلى خلل في العلاقات الإنسانية، وإلى انتشار الصراع والفتن والتخلف، بينما كان الالتزام الكامل بالقرآن كفيلًا – وفق رؤيته – بإقامة مجتمع يسوده الأمن والاستقرار والسلام. ويربط المفكر بين الابتعاد عن الآيات واتباع الروايات وبين حالة التراجع التي أصابت المجتمعات العربية والإسلامية.
ويؤكد كذلك أن القرآن وضع للمسلم طريقًا واضحًا يبدأ باتباع ما أنزل الله، والالتزام بتشريعاته ومنهاجه. ويستشهد بالآيات التي تجمع بين الإيمان والعمل الصالح، والإحسان إلى الآخرين، والوفاء بالعهد، والعدل في القول والمعاملة، وعدم السعي إلى الفساد، باعتبارها ملامح أساسية للعقد الذي ينبغي أن يلتزم به المسلم.
وفي هذا السياق، يقدم المفكر العربي الكبير علي محمد الشرفاء تصورًا للنتائج التي يمكن أن تترتب على تطبيق هذه المبادئ، حيث يرى أن العدل والتكافل والتسامح والإحسان وحفظ الأمانات من شأنها أن تقضي على أسباب الصراع والعدوان، وتؤسس مجتمعًا تتحقق فيه الحياة الطيبة والأمن والاستقرار، ويصبح فيه الإنسان أكثر قدرة على البناء والعلم والتقدم.
ويحذر المقال في الوقت نفسه من خطورة إبعاد المسلمين عن القرآن، مؤكدًا أن نشر الروايات والافتراءات وصرف الناس عن كتاب الله أدى إلى تشويه صورة الإسلام، وإلى ظهور ممارسات تتناقض مع الرحمة والعدل والسلام التي يؤكد المفكر أنها جوهر الرسالة. ويصل هذا التحذير إلى نقد خطاب الكراهية والعنف وقتل الأبرياء، باعتبارها أفعالًا تتناقض مع القيم القرآنية التي ينبغي أن تحكم سلوك المسلم.
في الختام ، يقدم المفكر العربي الكبير علي محمد الشرفاء رسالة واضحة تقوم على أن مسؤولية الإنسان عن اختياره تقتضي منه الالتزام بما ارتضاه من دين، وأن الهداية القرآنية ليست مجرد معرفة نظرية، وإنما طريق ينبغي أن ينعكس على السلوك والأخلاق والتعامل مع الآخرين. ويؤكد أن القرآن هو خارطة الطريق التي تحفظ الإنسان من الانحراف وتمنحه سبيل الحياة الطيبة.
وتبرز قيمة فكر المفكر العربي الكبير علي محمد الشرفاء في أنه يضع الأخلاق والسلوك الإنساني في قلب مفهوم التدين، ويربط بين الإيمان الحقيقي وبين العدل والرحمة والإحسان والسلام. ومن خلال هذا الطرح، يقدم رؤية إصلاحية تدعو إلى تجاوز اختزال الإسلام في الشعائر، والعودة إلى المنهج القرآني بما يحمله من قيم تحفظ كرامة الإنسان وتبني مجتمعًا أكثر أمنًا واستقرارًا.
إن «العقد المقدس» في رؤية المفكر العربي الكبير علي محمد الشرفاء ليس مجرد تعبير عن علاقة روحية بين الإنسان وربه، بل هو التزام شامل يترجم الإيمان إلى مسؤولية وسلوك وأخلاق، وهي الفكرة التي تمنح المقال أهميته الفكرية وتجعله دعوة واضحة إلى استعادة المعنى العملي للقرآن في حياة الإنسان والمجتمع.
