إذا كان الله سبحانه قد وصف الزواج بأنه ميثاق غليظ فإن من الواجب أن يكون هذا الميثاق واضح البنود محدد الحقوق والواجبات حتى لا يتحول إلى علاقة تحكمها الأهواء أو الأعراف المتناقضة أو الاجتهادات المتغيرة، والمتأمل في واقع الأسر المعاصرة يجد أن كثيرا من النزاعات لا تنشأ بسبب سوء النية بقدر ما تنشأ بسبب غياب التفاهم المسبق حول طبيعة العلاقة الزوجية ومسؤوليات كل طرف وحقوق الأبناء وآليات حل الخلافات.
ومن هنا تنبع الحاجة إلى عقد أسري قرآني تكون مرجعيته كتاب الله وحده ويوقع عليه الطرفان بعد الاطلاع عليه وفهمه وقبوله باعتباره ميثاقا أخلاقيا وإنسانيا وقانونيا يحكم حياتهما المشتركة ولا يقصد بهذا العقد إنشاء دين جديد أو إضافة أحكام جديدة وإنما جمع المبادئ القرآنية المنظمة للأسرة في وثيقة واضحة يسهل الرجوع إليها عند الحاجة.
عقد الأسرة القرآنية
بسم الله الرحمن الرحيم
انطلاقا من قول الله تعالى ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ واتفاقا على الاحتكام إلى القرآن الكريم مرجعا أعلى للعلاقة الأسرية فقد اتفق الطرفان على المواد الآتية
المادة الأولى: طبيعة الزواج: الزواج ميثاق دائم يقوم على السكن والمودة والرحمة والتعاون قال تعالى: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ويلتزم الطرفان بالحفاظ على هذه المقاصد باعتبارها أساس استمرار العلاقة
المادة الثانية: الكرامة الإنسانية: يقر الطرفان بأن كلا منهما مكرم من الله ولا يجوز امتهان كرامته أو إهانته أو الانتقاص من إنسانيته تحت أي ظرف قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾
المادة الثالثة: المساواة أمام التكليف: يلتزم الطرفان بالاعتراف بأن الجزاء والثواب والمسؤولية أمام الله تقوم على العمل الصالح لا على النوع قال تعالى: ﴿إِنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ﴾
المادة الرابعة: حسن المعاشرة: يلتزم الطرفان بحسن المعاملة والاحترام المتبادل والتعاون في جميع شؤون الحياة قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
المادة الخامسة: التشاور: لا يجوز اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بالأسرة أو الأبناء بصورة منفردة وتكون الشورى أساس اتخاذ القرار قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾
المادة السادسة: النفقة: يلتزم الزوج بتوفير احتياجات الأسرة المعيشية وفقا لقدرته وإمكاناته ودون إسراف أو تقتير قال تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾
المادة السابعة: المسؤولية المشتركة: تلتزم الزوجة بالمشاركة في بناء الأسرة وحفظ الميثاق ورعاية مصالح البيت وفقا لما يتم الاتفاق عليه بين الطرفين
المادة الثامنة: منع الإيذاء: يحظر على أي من الطرفين ممارسة أي شكل من أشكال العنف أو الإهانة أو الإضرار المادي أو النفسي قال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾
المادة التاسعة: حفظ الخصوصية: يلتزم الطرفان بعدم إفشاء أسرار الحياة الزوجية أو استغلالها للإساءة للطرف الآخر
المادة العاشرة: العدالة: يلتزم الطرفان بالعدل في جميع المعاملات وعدم الظلم أو الاستغلال قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾
المادة الحادية عشرة: الأبناء أمانة: الأبناء أمانة مشتركة بين الوالدين ومسؤولية تربيتهم ورعايتهم تقع على عاتق الطرفين معا
المادة الثانية عشرة: حق التعليم: يلتزم الطرفان بتوفير التعليم والتربية الأخلاقية للأبناء بما يؤهلهم لحياة كريمة نافعة
المادة الثالثة عشرة: حق الرحمة: يلتزم الطرفان بمعاملة الأبناء بالرحمة والرعاية والحكمة قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾
المادة الرابعة عشرة: إدارة الخلافات: عند وقوع خلاف بين الزوجين يلتزمان بالحوار المباشر الهادئ قبل اللجوء إلى أي طرف آخر
المادة الخامسة عشرة: الصلح: يكون الصلح هو الخيار الأول عند النزاع قال تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾
المادة السادسة عشرة: التحكيم الأسري: إذا تعذر الصلح المباشر يتم اللجوء إلى حكم من أهل الزوج وحكم من أهل الزوجة قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾
المادة السابعة عشرة: منع الانتقام: يحظر استخدام الأبناء أو المال أو السمعة وسيلة للضغط أو الانتقام أثناء الخلافات الزوجية
المادة الثامنة عشرة: حق الانفصال: إذا استحال استمرار الحياة الزوجية بعد استنفاد وسائل الإصلاح يكون الانفصال حقا للطرفين
المادة التاسعة عشرة: الانفصال بالمعروف: يتم الانفصال باحترام كامل للكرامة الإنسانية ودون إساءة أو تشهير أو اعتداء قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾
المادة العشرون: التراضي والتشاور: كل القرارات المتعلقة بالأبناء بعد الانفصال تتم بالتراضي والتشاور قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾
المادة الحادية والعشرون: حق الأبناء بعد الانفصال: يحتفظ الأبناء بحقهم الكامل في الرعاية والعناية والتواصل مع كلا الوالدين ولا يجوز حرمانهم من أحدهما بسبب الخلافات الشخصية
المادة الثانية والعشرون: العفو والصفح: يلتزم الطرفان بتقديم العفو والصفح كلما أمكن حفاظا على الأسرة قال تعالى: ﴿وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
المادة الثالثة والعشرون: المرجعية العليا: في حال نشوء أي خلاف في تفسير بنود هذا العقد تكون المرجعية النهائية لكتاب الله الكريم
المادة الرابعة والعشرون:
الإقرار:
يقر الطرفان بأن هذا العقد قائم على الرضا الكامل والاقتناع الحر وأن الغاية منه بناء أسرة مستقرة تحقق السكن والمودة والرحمة وتحفظ حقوق الأبناء وتصون كرامة جميع أفراد الأسرة
قراءة في فلسفة العقد
يمتاز هذا العقد عن العقود التقليدية بأنه لا ينظر إلى الزواج باعتباره علاقة سلطة بين طرف قوي وطرف ضعيف ولا ينظر إلى المرأة باعتبارها تابعا للرجل ولا إلى الرجل باعتباره خصما للمرأة بل ينطلق من رؤية قرآنية تعتبر الأسرة شراكة إنسانية تقوم على المسؤولية المشتركة والتشاور والعدل والإحسان كما أن هذا العقد يجعل حماية الأبناء هدفا مركزيا لا أمرا ثانويا ويعتبر الطلاق حلا استثنائيا بعد استنفاد وسائل الإصلاح لا وسيلة للانتقام أو الإضرار ويؤسس لثقافة جديدة تقوم على أن نجاح الأسرة يبدأ أقبل الزواج بالتفاهم والوعي والتأهيل وليس بعد وقوع المشكلات.
