في تدبرات الشرفاء القرآنية واستبصاراته التأويلية فَيضٌ لا يغيض من المعاني والمسائل والمعالجات الاعتقادية والتعبدية الساعية إلى استعادة المؤمنين والمؤمنات إلى صراط الله المستقيم وسبيله المبين ومنهاجه القويم وهديه الحكيم الذي أبعدهم عنه هجرهم المقيت لكتاب الله العزيز وقرآنه الكريم ذلك الذي تنبه إليه مبكرا نبي الرحمة فشكاهم إلى ربه محذرا إياهم من مغبة سلوك سبيل غير سبيله : ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا (29) وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ).

ففي مقالة الشرفاء حول : ( القرآن يكشف زيف الاستعانة بالموتى ) ليس فحسب دقٌ لناقوس الخطر حول سلوك تعبدي ؛ وإنما المقالة نهج تربوي إصلاحي لصميم جوهر الاعتقاد وأساس الإيمان الذي يقوم عليه وينبي صحيح الإسلام وشرعته ومنهاجه الذي خالفه من تنكبوا طريق التوحيد الخالص ولجأوا إلى السُبُل المخالفة لصراط الله المستقيم فاستعانوا على قضاء حوائجهم بالموتى من الأولياء والصالحين من عامة المسلمين أو من خاصة أهل البيت .
فالصالحون والأنبياء والأولياء مهما عَلَتْ مكانتهم وارتفعت منزلتهم يظلون عبادا مخلوقين لله شأن غيرهم من الناس فلا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم استقلالا بالقدرة على النفع أو الضُّر كما قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا ۖ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ).
ومن هنا يمكن رصد أبرز المخاطر والمحاذير التعبدية والاعتقادية والنفسية والعقلية التي تكشف عنها استبصارات الشرفاء القرآنية حول استعانة الأحياء بالأموات ؛ تلك التي تتمحور حول
مناقضة الاستعانة والاستغاثة بالموتى لجوهر التوحيد ؛ مما يترتب عليه الشرك الاعتقادي والعملي المستلزم سوء العاقبة والمآل لقوله تعالى : ( إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ).
فهؤلاء المستغيثون بالموتي في قضاء الحوائج بدعاء غير الله قد ناقضوا التوحيد الخالص من وجوه تصادم جميعها قواعد وأسس صراط الله المستقيم في الإيمان الاعتقادي والسلوك التعبدي ؛ وذلك لأنهم :
أولا :
صرفوا الدعاء كعبادة إلى غير الله ؛ وهذه مخالفة في مسألة مركزية لأن القرآن يجعل الدعاء من أبرز مظاهر العبودية لله ولا يفصل بين حقيقة التوحيد وبين إخلاص الدعاء لله.
يقول تعالى ناهيا بنص قطعي الثبوت والدلالة بسورة الجن : ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) في تقرير اختصاص الله وحده بالدعاء سواء دعاء العبادة أم دعاء المسألة أم هما معاً.
لأن القرآن الكريم في قوله تعالى : ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ قد ربط بين الدعاء والعبادة؛ فالإعراض عن دعاء الله والاستكبار عن عبادته أمران متصلان في السياق القرآني.
ثانيا :
الوهم الاعتقادي
الذي يمس أصل التوحيد
إذ يقرر القرآن عددا من الخطايا التي يقارفها من يدعو غير الله ، ومنها :
١- عدم امتلاك المدعوين القدرة على الاستجابة للدعاء: ( إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ) سواء لكون المدعوين من دون الله لا يسمعون دعاء الداعين، أم لكونهم – حتى على فرض سماعهم – عاجزين فعلا عن إجابة الدعاء ؛ أم لكونهم
يتبرؤون يوم القيامة ممن أشركهم في الدعاء والعبادة لله
٢. الحسرة والندامة التي يُصدَم بها داعي مَنْ سوى الله نتيجة الخسران المبين الذي يظفر به . قال تعالى : ( لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ۚ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ) ؛ ويقول تعالى : ( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ).
نتيجة تغافل المدعو وإنشغاله بنفسه أو لعدم وعيه أو لانعدام قوته وإمكانيته ، أو لتعليق الأمل في قضاء الحاجات بمن لا يملك الاستجابة لها ؛ ولا يملك كذلك ما هو أبسط من الاستجابة ؛ كما قال تعالى : ( قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ).
ثالثا:
الوقوع في شراك اتخاذ الوسائط المؤدية لشرك العبادة .
فليس هناك أخطر من أن يتصور الإنسان أنه لا يعبد الميت، وإنما يتخذه مجرد وسيلة إلى الله، ثم يتحول هذا التصور إلى دعائه وطلب الحاجات منه.
لأن القرآن الكريم قد عيَّن جهة الدعاء وكذلك الواسطة فيه بقوله تعالى : ( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ).
فجهة الدعاء الوحيدة عبادةً وطلبَ حاجات هي الله وحده ؛ وإن كانت هناك واسطة للشفاعة فهي أسماء الله الحسنى.
أما دعاء الشفعاء والوسائط من موتى الصالحين والأولياء فذلك مايؤكد القرآن أن مرتكب ذلك واقع في الضلال حتما لأنه خسر هداية الله ، كما أنه كاذب في زعمه الاكتفاء بالواسطة بينما هو يشرك في العبادة من هو غير الله . يقول تعالى : ( أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ).
رابعا:
الجهالة المعرفية بحقيقة الموت والحياة.
فالموت في التصور القرآني ليس مجرد غياب جسدي ، وإنما انتقال إلى عالم آخر له قوانينه التي لا نحيط بها إلا من خلال ما أخبرنا الله به في مثل قول تعالى عن حالة البرزخ :
( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ).
فالبرزخ مرحلة فاصلة بين الحياة الدنيا والبعث، ولا يمتلك أهلها قدرات أو اختصاصات تؤهلهم لإجابة دعاء الداعين ؛ فهم عجزوا أولا عن إعادة أنفسهم إلى الدنيا حتى ولو كان لممارسة العمل الصالح ؛ وفوق ذلك أصبحوا عاجزين عن مجرد سماع البشر إلا بمشيئة خاصة من الله وإذنه : ( وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ).
خامساً :
التأله على الله بسلب حق منح الشفاعة منه وإعطائه لمن يدعونهم من الموتى.
فالاعتقاد بأن الموتى يملكون الشفاعة ؛ وأن الميت يستطيع أن يشفع لمن يدعوه متى شاء، أو أن مجرد التوجه إليه يضمن حصول الشفاعة.
فذلك تأله على الله لأن القرآن يقرر أن الشفاعة ليست ملكا مستقلا لأحد، وإنما هي خاضعة لإذن الله ورضاه كما يقول تعالى:
( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) ؛ ( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ) .
سادساً :
الغلو في الأولياء والصالحين.
وذلك بتحويل محبتهم إلى تعلق تعبدي وشعائري يرفعهم فوق مرتبة البشرية وهو من المحاذير التي كشف القرآن عن وقوع الأمم السابقة فيه . قال تعالى : ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ).
سابعا :
تركهم هداية المنهاج القرآني وعدم اتباعهم صراط الله المستقيم بسبب هجرهم القرآن الكريم الذي يهدي للتي هي أَقْوم ، لكنهم كانوا قساة القلوب متحجري الأفئدة على القرآن فنُزعت عنهم رحمته وإرشاده وثراء عطاياه: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ).
