فبراير 21, 2026

بقلم: رائف الخولي

لم يعد الحديث عن حضور الإسلام في أوروبا محصورًا في سياق الجدل أو الدفاع، بل أصبح — في بعض تجلياته — نموذجًا حضاريًا يُعاد من خلاله تعريف العلاقة بين الدين والإنسان. ومن أبرز هذه النماذج مشروع “رسالة السلام في قلب أوروبا” الذي تجسد عمليًا في سويسرا، حيث وجدت كتب تشرح الإسلام طريقها إلى رفوف الكنائس، لا كاستثناء عابر، بل كحالة لافتة تستحق التأمل.
هذا المشروع يمثل تحوّلًا من الخطاب الدفاعي إلى الخطاب القيمي، ومن رد الفعل إلى الفعل المؤسس، مؤكدًا أن ما يحدث في سويسرا ليس نشاطًا تقليديًا بل نموذجًا فكريًا يتجاوز الجغرافيا.

من التعايش النظري إلى الحضور المعرفي
أهمية المشروع لا تكمن فقط في توزيع الكتب، بل في طبيعة المساحة التي دخلتها هذه الكتب: الكنائس السويسرية.
هذا المشهد يعكس حالة من “الاستعداد المتبادل” للحوار، حيث يُستقبل الخطاب الإسلامي بوصفه طرحًا معرفيًا لا أداة صراع
هذا الانتشار يعبر عن تحول في فهم الحضور الإسلامي في الغرب؛ حضور يقوم على المعرفة والأخلاق والإنسانية، لا على المواجهة أو إثبات الغلبة.
وهنا يتجلى معنى “رسالة السلام في قلب أوروبا”:
ليس مجرد عنوان رمزي، بل توصيف دقيق لمشروع يعيد تقديم الإسلام باعتباره طاقة سلام تتفاعل مع المجتمع الأوروبي من داخله، لا في مواجهته.

إعادة تعريف “الفتح”… من الجغرافيا إلى الوعي
من أبرز المحاور التي يسلط عليها المشروع الضوء تفكيك مفهوم “الفتح” وإعادة قراءته قراءة أخلاقية.
بدلاً من ربط المصطلح بالامتداد العسكري، يُعاد تأصيله بوصفه فتحًا للقلوب والعقول، وتوسيعًا لمساحات الفهم لا حدود النفوذ.
هذا التحول المفاهيمي يمثل خطوة جريئة في إصلاح الخطاب الديني، لأنه يميز بين الممارسات السياسية عبر التاريخ وبين جوهر الرسالة القرآنية القائمة على حرية الاختيار والرحمة.

حين يتحول “الفتح” إلى عملية داخلية — تحرير للإنسان من الخوف وسوء الفهم — يصبح من المنطقي أن تُفتح الكنائس أبوابها لكتب تشرح الإسلام، لأن الخطاب لم يعد خطاب صدام، بل خطاب تعارف.

الإسلام يعترف بالمسيحية
في قلب هذا المشروع يبرز كتاب الإسلام يعترف بالمسيحية للمفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي، بوصفه أحد أهم الإصدارات التي لاقت اهتمامًا في سويسرا.
اختيار مفهوم “الاعتراف” يحمل دلالة عميقة تتجاوز مفهوم “التسامح” التقليدي.
فالاعتراف يعني الإقرار بشرعية الوجود الديني الآخر، والتأكيد على أن التنوع جزء من السنن الإلهية، لا حالة طارئة يجب تحملها.
الكتاب يقدم قراءة قرآنية تؤكد أن الإسلام لم يأتِ لإلغاء الآخر، بل للاعتراف به ضمن إطار إنساني جامع. هذه الرؤية هي التي جعلت الخطاب مقبولًا داخل فضاءات مسيحية، لأنه لا يحمل نزعة استعلاء، بل منطق تكامل.

العمق العلمي والانضباط المنهجي
يرتكز نجاح هذا النموذج الحضاري على شرطين أساسيين:

  • العمق العلمي والانضباط المنهجي.
    العمق العلمي يعني أن الطرح ليس عاطفيًا، بل مستند إلى قراءة دقيقة للنصوص، وفصل واضح بين المقدس والتاريخي.
    أما الانضباط المنهجي فيعني تحويل الفكرة إلى عمل مؤسسي مستمر، لا مبادرة موسمية.
    وهذا ما يمنح مشروع “رسالة السلام في قلب أوروبا” صفة النموذج القابل للتعميم، لا التجربة العابرة.

لماذا يمثل هذا المشروع تحولًا حضاريًا؟
لأننا أمام انتقال من:

  • خطاب إثبات الهوية إلى خطاب بناء الجسور
  • من الدفاع إلى التعريف
  • من الجدل إلى المعرفة
  • من الصدام إلى الاعتراف المتبادل

فكر علي محمد الشرفاء الحمادي، كما يتجلى في هذا المشروع، لا يسعى إلى انتصار جدلي، بل إلى تصحيح بوصلة الفهم. هو مشروع يعيد الإنسان إلى مركز الخطاب، ويعيد الرحمة إلى مركز المفهوم.

ما بدأ تحت عنوان “رسالة السلام في قلب أوروبا” ليس حدثًا محليًا، بل إشارة إلى إمكانية بناء نموذج حضاري جديد، يقوم على:

  • حرية الاختيار
  • الكرامة الإنسانية
  • الاعتراف المتبادل
  • وإعادة قراءة المفاهيم التاريخية بوعي علمي

إذا كانت إعادة تعريف مصطلح واحد قد فتحت أبواب كنائس في قلب أوروبا، فإن إعادة قراءة منظومة كاملة من المفاهيم قد تفتح آفاقًا أوسع للتعايش الإنساني.

وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للمشروع:
ليس في عدد الكتب الموزعة، بل في عدد الجدران التي تحولت إلى جسور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *