يوليو 5, 2026

يتناول المفكر العربي الكبير علي محمد الشرفاء في مقاله «من هو المسلم الذي أراده الله؟»  قضية تُعد من أهم القضايا الفكرية والدينية، وهي تحديد مفهوم المسلم كما أراده الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، بعيدًا عن المفاهيم التي ترسخت عبر العادات الاجتماعية أو الانتماءات الموروثة. ولا ينطلق المقال من مجرد تعريف لغوي أو فقهي للإسلام، بل يقدم رؤية قرآنية متكاملة تجعل الإسلام مشروعًا أخلاقيًا وسلوكيًا يقوم على الالتزام العملي بمنهج الله، وتحمل مسؤولية الاستخلاف في الأرض، والوفاء بالعهد مع الخالق.

وتنبع أهمية هذا الطرح من أنه يعيد توجيه الأنظار إلى جوهر الرسالة الإلهية، مؤكدًا أن الإسلام ليس مجرد هوية أو لقب، وإنما مسؤولية عظيمة تستوجب الإيمان الصادق والعمل الصالح، وهو ما يجعل المقال دعوة للتأمل في حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه، وبين العقيدة والسلوك، وبين الإيمان والمسؤولية.

يرتكز المقال على فكرة محورية تتمثل في أن الإنسان خُلق ليكون خليفة في الأرض، وأن هذا الاستخلاف ليس امتيازًا يمنحه الله للإنسان بقدر ما هو تكليف يحمل في طياته مسؤوليات عظيمة. ويؤكد المفكر العربي الكبير أن الأمانة التي حملها الإنسان هي مسؤولية الالتزام بمنهج الله، والاختيار الحر بين الطاعة والمعصية، وتحمل نتائج هذا الاختيار أمام الله يوم القيامة.

ومن خلال هذا التصور، يربط المفكر العربي الكبير بين الاستخلاف وإقامة القيم الإلهية في حياة الناس، موضحًا أن مهمة الإنسان لا تقتصر على أداء الشعائر، وإنما تمتد إلى إقامة العدل، ونشر الرحمة، وتحقيق الإحسان، والدفاع عن حقوق الإنسان، وصيانة كرامته، واحترام حرية الاختيار التي منحها الله لكل إنسان.

كما يبين أن معيار التفاضل الحقيقي بين البشر لا يقوم على الأسماء أو الأنساب أو الانتماءات، وإنما يقوم على التقوى والالتزام بأوامر الله. فالقيمة الحقيقية للإنسان تتجسد في مدى التزامه بمنهج الله في عباداته وأخلاقه ومعاملاته، وليس في الشعارات أو المظاهر الخارجية.

ويولي المفكر العربي الكبير اهتمامًا خاصًا بالجانب الأخلاقي في بناء شخصية المسلم، حيث يوضح أن المسلم الحق هو من يستطيع السيطرة على نفسه، وكظم غيظه، والعفو عمن أساء إليه، ومقابلة الإساءة بالإحسان، والوفاء بالعهود، والابتعاد عن الظلم والعدوان. ويؤكد أن هذه الصفات ليست أعمالًا مستحبة فحسب، وإنما تمثل جوهر الإسلام الذي أراده الله لعباده.

ويتوسع المقال في بيان أن الإسلام الحقيقي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإيمان بآيات القرآن والعمل بها، فالإيمان لا يكتمل بمجرد الاعتقاد أو النطق، وإنما يتحول إلى حقيقة عندما ينعكس على السلوك اليومي للإنسان. ولذلك يؤكد المفكر العربي الكبير أن القرآن هو الميزان الذي يحدد حقيقة المسلم، وهو المرجعية التي ينبغي أن تُقاس عليها جميع التصرفات والأحكام.

كما يوضح أن الوفاء بالعهد مع الله يمثل أحد أهم الأسس التي يقوم عليها الإسلام، فالمؤمن مطالب بأن يلتزم بما أمره الله به في جميع شؤون حياته، وأن يجعل أوامر الله فوق كل اعتبار، وأن يترجم هذا الالتزام إلى واقع عملي يظهر في أخلاقه وتعاملاته مع الناس.

ومن الأفكار المهمة التي يطرحها المقال أيضًا، أن محبة الله ليست مجرد شعور وجداني، وإنما تتحقق باتباع ما بلغه الرسول من كتاب الله، وبالالتزام الصادق بأوامره ونواهيه. ويقدم المفكر العربي الكبير هذا المعنى باعتباره معيارًا واضحًا لصدق الإيمان، حيث ترتبط محبة الله بالطاعة، لا بالادعاء المجرد.

ويتناول المقال كذلك قضية حرية الاختيار، مؤكدًا أن الله منح الإنسان إرادة كاملة ليختار طريقه بنفسه، ثم يتحمل نتائج اختياره دون إكراه أو إجبار. ويرى المفكر العربي الكبير أن هذه الحرية تُعد من أعظم صور تكريم الإنسان، لأنها تجعله مسؤولًا عن قراراته أمام الله، وتمنحه فرصة الوصول إلى السعادة في الدنيا والآخرة من خلال حسن الاختيار.

كما يتوقف المقال عند واقع الأمة الإسلامية، فيربط بين ما تعانيه من انقسامات وصراعات وبين الابتعاد عن منهج القرآن. ويؤكد أن الاعتصام بكتاب الله ووحدة الكلمة والالتزام بالقيم القرآنية تمثل الطريق الحقيقي للخروج من حالة الفرقة والتنازع، وأن الإسلام الذي أراده الله يقوم على التعاون والمحبة والعدل، لا على التعصب والتكفير والاقتتال.

وفي ختام رؤيته، يؤكد المفكر العربي الكبير أن الإسلام ليس اسمًا يُورث، ولا انتماءً اجتماعيًا، ولا طقوسًا تؤدى بمعزل عن السلوك، وإنما هو عهد دائم بين الإنسان وربه، يقوم على الإيمان بآيات الله، والسمع والطاعة لأوامره، وإقامة العدل، والتحلي بالإحسان، والوفاء بالعهد حتى نهاية الحياة.

تتميز رؤية المفكر العربي الكبير في هذا المقال بعمقها الفكري واتساع أفقها، إذ نجح في تقديم مفهوم شامل للإسلام يربط بين العقيدة والأخلاق والسلوك والمسؤولية الاجتماعية. كما أنه أعاد توجيه الاهتمام إلى المقاصد الكبرى للرسالة الإلهية، مؤكدًا أن الإسلام رسالة بناء وإصلاح ورحمة قبل أن يكون مجموعة من الشعائر أو المظاهر.

ويُحسب له أيضًا أنه اعتمد في بناء رؤيته على استحضار القيم القرآنية الجامعة، فجعل العدل والإحسان والرحمة والوفاء بالعهد أساسًا لتعريف المسلم، وهو طرح يرسخ البعد الإنساني للإسلام ويؤكد عالميته. كما اتسم أسلوبه بالوضوح والتدرج المنطقي، مما يجعل القارئ ينتقل بين الأفكار بسهولة، ويستوعب العلاقة المتكاملة بين الإيمان والعمل والاستخلاف.

وتبرز في المقال نزعة إصلاحية واضحة، تدعو الإنسان إلى مراجعة ذاته قبل الحكم على الآخرين، وإلى جعل القرآن منهجًا للحياة بكل تفاصيلها، وهو ما يمنح المقال قيمة فكرية وتربوية كبيرة، ويجعله من المقالات التي تدعو إلى التأمل العميق في حقيقة الدين ومقاصده.

في الختام، يقدم هذا المقال رؤية قرآنية متكاملة لمفهوم المسلم الذي أراده الله، حيث يجعل الإيمان الصادق والعمل الصالح والالتزام بمنهج الله أساسًا لهذا الوصف العظيم. وقد نجح المفكر العربي الكبير في رسم صورة متوازنة للمسلم الذي يحمل مسؤولية الاستخلاف، ويجسد قيم العدل والرحمة والإحسان في حياته، ويجعل القرآن مرجعه في عقيدته وسلوكه ومعاملاته. وتمثل هذه الرؤية دعوة صادقة إلى إعادة اكتشاف جوهر الإسلام كما جاء في كتاب الله، وإلى بناء الإنسان على أساس المسؤولية والوعي والالتزام، بما يسهم في نهضة الفرد والمجتمع، ويحقق الغاية التي خلق الله الإنسان من أجلها، وهي عمارة الأرض بالحق والخير والسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *