نوفمبر 2, 2026

قراءة تحليلية يكتبها رائف الخولي

ليست العودة إلى القرآن الكريم مجرد دعوة إلى الإكثار من التلاوة أو استحضار النصوص الدينية في المناسبات، وإنما هي دعوة إلى استعادة المنهج الإلهي الذي أراد للإنسان أن يعيش كريمًا، وأن يعمر الأرض بالعدل، وأن يجعل من الرحمة والتسامح والتعارف أساسًا للعلاقات بين البشر. ومن هذا المنطلق تبرز أهمية المشروع الفكري للمفكر العربي الكبير علي محمد الشرفاء الحمادي، الذي جعل من العودة إلى القرآن الكريم محورًا أساسيًا في رؤيته لإصلاح الإنسان والمجتمع، وربط بين تصحيح المفاهيم الدينية وإحياء قيم السلام باعتبارهما طريقًا لا ينفصل أحدهما عن الآخر.

إن جوهر الأزمة التي تعاني منها مجتمعات كثيرة لا يكمن في غياب النص الديني، بقدر ما يكمن في الابتعاد عن مقاصده الحقيقية، وتحويل الدين في بعض الخطابات والممارسات إلى مجموعة من الموروثات والتفسيرات التي قد تتعارض مع القيم القرآنية القائمة على الرحمة والعدل وحرية الاختيار واحترام كرامة الإنسان. وهنا تتجلى أهمية الدعوة التي يتبناها الشرفاء الحمادي، إذ لا يكتفي بالدعوة إلى العودة للقرآن بوصفها واجبًا دينيًا، بل يطرحها باعتبارها ضرورة حضارية لإنقاذ المجتمعات من الصراعات والانقسامات والتطرف.

فالقرآن الكريم يقدم تصورًا واضحًا للإنسان باعتباره خليفة في الأرض، مكلفًا بإعمارها وإقامة العدل فيها، وليس بإشاعة الكراهية أو الاعتداء على الآخرين. ومن يتأمل آياته يدرك أن السلام ليس قيمة هامشية في الخطاب القرآني، وإنما هو أحد الأسس التي تقوم عليها العلاقة بين الإنسان وربه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان، وبين الشعوب والأمم المختلفة. فالاختلاف بين البشر حقيقة إنسانية أقرها القرآن، وجعل التعارف والتعاون سبيلًا للتعامل معها، لا الصراع والعداء.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة الوثيقة بين مشروع العودة إلى القرآن ورسالة السلام؛ فالإنسان الذي يستمد وعيه من القرآن الصحيح لا يمكن أن يتخذ من الدين ذريعة للاعتداء، ولا أن يجعل من الاختلاف سببًا للتكفير أو الإقصاء، لأن الرسالة الإلهية جاءت لتخرج الإنسان من ظلمات الجهل والظلم إلى نور المعرفة والعدل والرحمة. ولذلك فإن تصحيح الخطاب الديني يبدأ بتصحيح المرجعية التي يستند إليها، وبإعادة الاعتبار للقرآن باعتباره الميزان الذي تُراجع في ضوئه الأفكار والاجتهادات البشرية.

وفي هذا السياق، تكتسب مؤسسة رسالة السلام أهمية خاصة، باعتبارها إطارًا يسعى إلى نقل هذه الرؤية من دائرة التنظير الفكري إلى مجال العمل الثقافي والتوعوي، من خلال نشر قيم التسامح والتعايش والمحبة، والتعريف بالخطاب القرآني الذي يجعل السلام أساسًا للعلاقات الإنسانية. فالمعركة الحقيقية ليست بين أتباع الأديان، وإنما بين قيم الخير والعدل والرحمة من جهة، وأفكار التعصب والكراهية والعنف من جهة أخرى.

إن رسالة السلام لا تعني مجرد الدعوة إلى وقف الحروب أو تجنب النزاعات، على أهمية ذلك، وإنما تعني تأسيس ثقافة إنسانية تحترم حق الآخر في الحياة والاختلاف والاعتقاد، وتؤمن بأن كرامة الإنسان لا تتوقف على دينه أو جنسيته أو لونه أو انتمائه. وهذا المعنى يتوافق مع الرؤية القرآنية التي ترفض الاعتداء، وتدعو إلى البر والقسط، وتؤسس لعلاقات تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون في الخير.

ولعل أبرز ما يميز هذا المشروع الفكري أنه لا يفصل بين إصلاح العقيدة وإصلاح السلوك، ولا بين الوعي الديني والمسؤولية الاجتماعية. فالعودة إلى القرآن ينبغي أن تظهر آثارها في حياة الناس، في معاملاتهم وأخلاقهم ومواقفهم من قضايا المجتمع والوطن والإنسانية. فلا قيمة لخطاب ديني لا ينعكس على سلوك أصحابه، ولا معنى للحديث عن التسامح إذا ظل الإنسان أسيرًا لأحكام مسبقة تجاه المختلفين معه.

ومن هنا تأتي أهمية توجيه الأجيال الجديدة إلى قراءة القرآن قراءة واعية، تتجاوز حدود التلقي الشكلي إلى التدبر والفهم واستخلاص القيم التي تنظم الحياة. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، وإنما ببناء الإنسان الواعي بحقوقه وواجباته، المؤمن بالعدل، الرافض للظلم، القادر على الحوار، والمدرك أن قوة المجتمع لا تتحقق بإلغاء الاختلاف، وإنما بإدارته في إطار من الاحترام والقانون والمواطنة.

كما أن العالم اليوم، بما يشهده من حروب وصراعات دينية وسياسية وثقافية، أصبح في أمس الحاجة إلى خطاب يعيد الاعتبار للمشترك الإنساني، ويحرر الدين من توظيفه في الصراعات والمصالح. وفي هذا الإطار تبرز رسالة السلام بوصفها امتدادًا عمليًا للدعوة إلى العودة للقرآن، لأن القرآن الذي يدعو إلى العدل والرحمة والتعارف لا يمكن أن يكون مصدرًا للكراهية أو مبررًا للعنف.

إن المشروع الذي يدعو إليه المفكر العربي الكبير علي محمد الشرفاء الحمادي يضع أمامنا مسؤولية تتجاوز حدود القراءة والإعجاب بالأفكار؛ إنها مسؤولية تحويل المبادئ إلى واقع، والأفكار إلى ثقافة مجتمعية، والقيم القرآنية إلى سلوك يومي يلمسه الإنسان في حياته. فالمطلوب ليس أن نتحدث عن السلام فحسب، بل أن نمارسه، وليس أن نرفع شعار العودة إلى القرآن، بل أن نجعل القرآن حاضرًا في ضمائرنا وقراراتنا وعلاقاتنا بالآخرين.

وفي النهاية، فإن العودة إلى القرآن ورسالة السلام وجهان لمشروع واحد، غايته استعادة الإنسان لرسالته الحقيقية في الحياة، وإعادة بناء المجتمعات على أسس العدل والرحمة والتسامح. إنها دعوة إلى إسلام يضيء حياة البشر، ويوحد ولا يفرق، ويعمر ولا يهدم، ويمنح الإنسان الأمل بدلًا من الخوف، ويجعل من السلام رسالة تتجاوز الحدود والجغرافيا والانتماءات.

وهكذا تتجسد القيمة الكبرى لفكر علي محمد الشرفاء الحمادي في محاولته إعادة وصل الإنسان بالمقاصد الإنسانية والأخلاقية للقرآن الكريم، لتصبح العودة إلى كتاب الله بداية لطريق جديد، عنوانه الوعي، ووسيلته الرحمة، وهدفه إقامة عالم أكثر عدلًا وأمنًا وسلامًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *