يناير 13, 2026

إنّ رؤية الكاتب والمفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي في كتابه «الطلاق يهدد أمن المجتمع» تتميز بجرأتها ونقائها في العودة إلى القرآن الكريم كمصدر وحيد للتشريع، بعيدًا عن الموروثات البشرية التي أثقلت كاهل المجتمعات الإسلامية. لقد استطاع الكاتب أن يُسلّط الضوء على كارثية الطلاق الشفهي، لا كمسألة فقهية فقط، بل كقضية أمن مجتمعي وإنساني تهدد كيان الأمة الإسلامية من الجذور. إن حديثه ليس وعظًا إنشائيًا، بل قراءة عميقة في نظام الطلاق الإلهي في القرآن، مقارنةً بما فرضته فتاوى بشرية من ظلم، خاصة للنساء والأطفال. في هذا الجزء، نبدأ من جوهر القضية التي يطرحها المؤلف، وهي العبث بمفهوم الطلاق كما ورد في التشريع الإلهي، واعتماده في أكثر المجتمعات على كلمة شفوية تُقال في لحظة غضب فتنقلب الحياة رأسًا على عقب.

١- «مصيبة الشفهي انتشرت في حياتنا، وأدت إلى التفكك السري، وضياع الأبناء وتشريدهم، وكوارث اجتماعية وأمراض نفسية، بل تعدّت ذلك إلى ارتكاب الجرائم المختلفة.»

٢- «للأسف لا تزال القواعد البشرية التي وضعها الفقهاء القدماء بشأن الطلاق تتعارض مع تشريع القرآن الكريم، وتتناقض مع مقاصده وأحكامه جملة وتفصيلًا.»

٣- «كتاب الله الكريم هو الضمانة الحقيقية لسلامة العلاقة الزوجية، بدءًا من عقد القران، وصولًا لحالات التعرض للطلاق والانفصال.»

ينطلق الكاتب من الواقع المؤلم الذي تعيشه المجتمعات الإسلامية، حيث أصبح الطلاق يتم بكلمة واحدة، «أنتِ طالق»، تُقال غالبًا تحت وطأة الغضب أو الانفعال. يُحمّل الشرفاء هذا الطلاق الشفهي المسؤولية المباشرة عن تشرد الأبناء، وانهيار القيم، وتفكك الأسر، مؤكدًا أن هذه الممارسات ليست فقط مخالفة للتشريع الإلهي، بل هي جريمة اجتماعية ذات نتائج كارثية.

ويصف تلك الكلمة بأنها «مصيبة» لا مجرد خطأ، لأنها تفتح أبوابًا من التشرد والفقر والانحراف للأبناء، وتدمر كيان الأسرة بضربة واحدة، دون أي اعتبار لكرامة المرأة، ولا مصلحة الأطفال، ولا حتى مشروعية الطلاق كما أرادها الله في كتابه.

لا يكتفي الكاتب بوصف الأزمة، بل يذهب مباشرة إلى جذرها، وهو الاعتماد الكلي على روايات وآراء فقهاء قدامى، تم تقديسها على مر العصور، حتى أصبحت بديلة للتشريع الإلهي الواضح في القرآن الكريم.

فيقول بصراحة:

«ما زالت القواعد البشرية التي وضعها الفقهاء القدماء تتعارض مع تشريع القرآن الكريم، وتتناقض مع مقاصده وأحكامه.»

وهنا يستحضر المؤلف موقفًا جريئًا جدًا، إذ يرى أن فتاوى الطلاق الشفهي لا تستند إلى آية محكمة أو نص قرآني مباشر، بل إلى اجتهادات بشرية متأثرة بعقلية ذكورية، ومُتخمة بالأعراف الجاهلية التي كانت تمنح الرجل سلطة مطلقة في إنهاء الزواج دون محاسبة أو شراكة في القرار.

ينادي الشرفاء الحمادي بوضوح تام إلى العودة للتشريع الإلهي في كتاب الله، لا كمصدر ديني فقط، بل كـ»ضمانة حقيقية لسلامة العلاقة الزوجية»، ويستشهد بآيات من سورة الطلاق والبقرة والنساء، التي تضع ضوابط صارمة للطلاق، منها:

            • إنذار مسبق بنيّة الطلاق.

            • فترة العدة كمهلة لمراجعة القرار.

            • عدم إخراج الزوجة من بيتها.

            • وجود اتفاق بين الطرفين.

            • حضور شهود ومسؤوليات واضحة.

إذًا، فالطلاق في القرآن عملية منظمة، تدريجية، وتشاركية، هدفها الأول منع الانفصال العشوائي، وليس تسهيله.

في أكثر من موضع، يذكّر المؤلف بأن مقصد القرآن في الطلاق هو الحفاظ على الأسرة، وليس تشتيتها، وأن «أينما تكون المصلحة فثم شرع الله»، وهي قاعدة يغفل عنها من يستندون إلى الطلاق الشفهي، الذي يُفقد المرأة حقوقها، ويهدد الأطفال، ويعطل استقرار المجتمع.

ويسأل المؤلف: كيف يمكن أن تكون كلمة واحدة، في لحظة انفعال، سببًا لخراب بيت بكامله؟! وأي منطق يقبل أن يُحكم على مستقبل أطفال بالتشرد استنادًا إلى لفظ ارتجالي؟!

هذه الأسئلة هي نقطة القوة الفكرية في هذا الجزء من الكتاب، إذ ينقل الطلاق من كونه إجراء شرعيًا، إلى كونه قضية أخلاقية وإنسانية وأمنية.

ما يميز هذا الكتاب هو أن الكاتب لا يتحدث في فراغ، بل يرى أن تفكك الأسرة لا يؤدي فقط إلى مآسي اجتماعية، بل قد يكون من أسباب الجريمة والتطرف. فهو يقول:

«ولا أستبعد أن كثيراً ممن التحقوا بالمنظمات الإرهابية يعانون أمراضاً نفسية كان سببها زوجين لم يُراعيا حقوق أبنائهما.»

هنا يربط الكاتب بين أزمة الطلاق العشوائي ومآلات اجتماعية خطيرة كالتطرف، والانحراف، والمرض النفسي، بل ويرى أن الطلاق غير المنضبط هو قنبلة موقوتة تهدد البنية النفسية للأبناء، وبالتالي سلامة المجتمع كله.

في هذا الجزء من الكتاب، قدّم علي محمد الشرفاء الحمادي أطروحة فكرية عميقة، تتجاوز النصوص إلى المقاصد، وتبحث عن الحكمة الإلهية في تشريع الطلاق، لا عن المظاهر الشكلية. كانت دعوته للعودة إلى القرآن الكريم دعوةً للعدل والرحمة والإنصاف، في مواجهة خطاب فقهي متجمد، ظلم المرأة، وأضاع حقوق الطفل، وهدد نسيج المجتمع.

وقد برع الكاتب في تفكيك الطلاق الشفهي كأخطر مظاهر الانحراف عن مراد الله، مؤكدًا أن التشريع الإلهي لا يمكن أن يكون سببًا في مأساة، بل هو ملاذ النجاة من المأساة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *