في هذا الجزء يتجلى عمق الطرح الإنساني والفكري الذي يقدمه علي محمد الشرفاء الحمادي، حيث لا يكتفي بتفنيد الطلاق الشفهي، بل يذهب إلى تقديم رؤية بديلة قرآنية متكاملة، قائمة على التدرج في القرار، والتشاور، وحماية الأسرة. وتظهر عبقرية الكاتب في استحضار النصوص القرآنية لإثبات أن الطلاق ليس قرارًا فرديًا متسرعًا، بل منظومة تشريعية تحكمها المودة والرحمة حتى في الانفصال.
– نصوص مختارة:
– «إنه لا يتم الانفصال إلا بالإتفاق بين الطرفين بنفسٍ راضية، وكِلاهُما مقتنع بالقرار الذي اتِّخذه.»
– «يريد الله سبحانه أن يتجنب عباده العيش في حالة الندم والحزن وتأنيب الضمير والصراع النفسي.»
– «الطلاق في التشريع القرآني لا يتم بكلمة، بل عبر إجراءات تضمن التروي ومراجعة النفس.»
– التحليل الموسّع:
1. الطلاق كمنظومة إصلاحية لا تفكيكية
يرى الكاتب أن الطلاق ليس حدثًا مفاجئًا، بل مرحلة انتقالية في العلاقة الزوجية، الهدف منها إما الإصلاح أو الانفصال المنظّم. ولذلك، نصت الآيات القرآنية على عدة مراحل:
– التمهيد بإبلاغ النية.
– فترة العدة.
– استمرار الزوجة في بيتها.
– إعطاء مهلة للمراجعة.
– محاولة الإصلاح عبر الأهل أو الهيئات.
كل هذه الخطوات تدل على أن الطلاق في القرآن هو تأني ومهلة وتفكير وليس هدمًا لحظيًا.
2. إعلاء شأن التفاهم والتراضي
من أبرز ما يميز هذا الجزء أن الكاتب يثبت أن القرآن الكريم لم يُعطِ الحق للزوج فقط في الطلاق، بل أكد أن الانفصال لا يتم إلا إذا كان الطرفان مقتنعين به، كما في قوله تعالى: (ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ)
هذا الطرح ينسف تمامًا السلطة الأحادية الذكورية التي جعلت من الطلاق الشفهي سيفًا مسلطًا على رقاب النساء.
3. منع الطلاق من أن يكون أداة للابتزاز أو الإهانة
ينبّه المؤلف إلى ظاهرة خطيرة، وهي استخدام الطلاق من قبل بعض الأزواج كسلاح للتهديد والإذلال والسيطرة، ويُدين ذلك بشدة باعتباره خروجًا على روح التشريع الإلهي الذي يدعو للعدل والإحسان.
ويقول: «استعمال الرجل لسلاح الطلاق كوسيلة للضغط على المرأة لا يتفق مع شريعة الله ومقاصدها.»
4. العدة ليست عقوبة بل فرصة مراجعة
يشرح الكاتب أن فترة العدة ليست لتقييد المرأة، بل لتمنح الزوجين فرصة لإعادة التفكير، وقد أمر الله في سورة الطلاق بعدم إخراج المرأة من بيتها أثناء العدة. فالتشريع الإلهي يعمل على تأجيل القرار القاسي، لعلهما يعودان إلى التفاهم.
* مقاصد الشريعة في تأمين الأسرة
يؤكد الكاتب أن التشريع القرآني يرمي إلى:
– صون الأبناء من التشرد النفسي والاجتماعي.
– احترام المرأة في كل مراحل العلاقة.
– تقاسم المسؤوليات بعد الطلاق.
– منع اتخاذ القرارات الانفعالية.
ولذلك، يرى أن القرآن لا يعترف بالطلاق الشفهي لأنه لغو لا ينتج عنه شيء شرعي، بل حدد صراحة أن لكل طلاق شروطًا ومراحل.
في هذا الجزء، برع علي محمد الشرفاء الحمادي في بيان أن الطلاق ليس انفجارًا لفظيًا، بل مسؤولية تشاركية تُبنى على التفاهم. لقد كشف لنا كيف أن القرآن لا يطلق الأسر من قيودها، بل يحميها من التشتت، ويؤسس لانفصال رحيم وعادل عند الضرورة. هذه الرؤية تعكس فقهًا حقيقيًا للمقاصد ووعيًا إنسانيًا راقيًا.
ونواصل التحليل فى أجزاء مقبلة بإذن الله.
