بقلم: رائف الخولى
يُعدّ فصل «التكليف الإلهي» من كتاب «رسالة الإسلام رحمة وعدل وحرية وسلام»، للمفكر العربي علي محمد الشرفاءالحمادى، مدخلًا فكريًا عميقًا يضع القارئ مباشرة أمام سؤال جوهري: لماذا أرسل الله رسالاته إلى البشر؟ هل كانت رسائل السماء موجهة فقط لتنظيم الشعائر والعبادات؟ أم أنها جاءت لتُعيد تشكيل الوعي الإنساني، وتحرره من أغلال التبعية والاستسلام؟
من خلال هذا الفصل، يبدأ المفكر علي محمد الشرفاء مشروعه الفكري الذي يهدف إلى إعادة مركزية القرآن في الحياة الإسلامية، وتخليص الدين من شوائب الرواية وأغلال التقليد.
يبيّن الكاتب أن التكليف الإلهي هو في جوهره دعوة للتحرر، لا فقط تكليفًا تعبديًا، وأن الغاية الأسمى من الرسالة هي تحقيق الرحمة والعدل والحرية للإنسان.
أولًا: ماهية التكليف الإلهي في نظر الكاتب:
يعيد الشرفاء تعريف «التكليف الإلهي» على نحوٍ مختلف عمّا هو شائع في الخطاب الديني التقليدي. فبينما يرى الفقهاء أن التكليف هو تحميل الإنسان المسؤولية في أداء العبادات وتجنّب المحرّمات، فإن الكاتب يتجاوز هذا التعريف الضيق، ليؤكد أن التكليف الإلهي هو رسالة لتحرير العقل، وتحفيز الإنسان لاستخدام ملكاته الفطرية في التمييز بين الحق والباطل، الخير والشر، الرحمة والظلم.
يقول: «الخالق سبحانه أرسل خطابًا إلهيًا للبشر ليهتدوا به ويستضيئوا بنوره ويحققوا العدل في الأرض، وليتمكنوا من مواجهة قوى الشر والفساد».
هذه الجملة تؤسس لمفهوم محوري في فكر الكاتب، وهو أن التكليف الإلهي ليس غاية في ذاته، بل هو وسيلة لتحقيق قيم إنسانية عليا: العدل، الرحمة، الحرية، السلام.
ثانيًا: تحرير الإنسان من التقاليد والروايات:
واحدة من أبرز القضايا التي يثيرها الكاتب هي معاناة الإنسان المسلم من الأسر التاريخي للفكر الديني التقليدي. ويُظهر ذلك من خلال مقارنة ضمنية بين خطاب الله كما ورد في القرآن، والخطاب البشري الذي تَشَكّل عبر قرون من التراكم الفقهي والروائي، والذي قيّد الإنسان، وحجّر على عقله، وزرع الخوف بدلًا من الوعي.
يقول:
الخطاب الإلهي جاء ليحرر الفكر من الاستسلام للتراث البشري، بإطلاق حرية العقيدة، وحرية التفكير، وحرية الإرادة»
ويرى الكاتب أن كثيرًا من المسلمين لا يزالون أسرى لمقولات آبائهم، يخافون التجديد، ويتهمون كل من يدعو إليه بالكفر والزندقة، مستشهدًا بقوله تعالى:
«بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ» (الزخرف: 22).
هذه الآية تمثل مرآة لما يعانيه الفكر الإسلامي اليوم: التبعية لا التبصّر، التقديس الأعمى للتراث بدلًا من الاستنارة بالوحي القرآني.
ثالثًا: مركزية الحرية في التكليف الإلهي:
من أهم ما يميّز طرح الشرفاء هو تأكيده على أن الحرية قيمة مركزية في خطاب القرآن، وهي ليست منحة بشرية، بل تكليف إلهي. فالله تعالى لم يُكره الناس على الإيمان، بل عرض عليهم الرسالة، وترك لهم حرية القبول أو الرفض، وهو ما يثبته قوله: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ» (البقرة: 256).
«فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ» (الكهف: 29).
يرى المفكر الكبير أن هذه الآيات تلغي كل محاولة لفرض الدين بالقوة، وتُدين كل جماعة أو دولة تستخدم العنف باسم الدين. كما يرفض فكرة «حدّ الردة» التي تخالف منطق الحرية في التكليف الإلهي، ويعتبرها صناعة فقهية لا أصل لها في القرآن.
رابعًا: بين الوحي والعقل.. شراكة لا صراع:
يُبرز الشرفاء قيمة العقل كأداة لفهم التكليف، ويرى أن الإنسان لن يُحاسب على التقليد، بل على ما أدركه بعقله. ولذلك فإن الله أمر الناس بالتفكّر، والتدبّر، واستخدام البصيرة، لا الاتباع الأعمى.
يقول الكاتب: «لقد أمر الله الناس بأن ينظروا في الكون، ويتدبّروا في آياته، ليؤمنوا به عن وعي، لا عن وراثة».
ويستشهد الكاتب بكثير من الآيات التي تحفّز العقل، مثل: «أَفَلَا يَعْقِلُونَ؟» (الأنعام: 32)، «أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ؟» (الأنعام: 50)، «أَفَلَا تَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ؟» (النساء: 82).
هذه الآيات تجعل من العقل شرطًا للإيمان الحقيقي، وتُدين أولئك الذين يُعطّلون عقولهم خوفًا من مخالفة الموروث.
خامسًا: مقاومة الظلم والفساد جزء من التكليف:
يمتد التكليف الإلهي في نظر الكاتب ليشمل المواقف العملية من الظلم. فالله لم يأمر الإنسان فقط بالصلاة، بل أمره أيضًا بمواجهة الفساد، وإقامة القسط، ونصرة المظلوم. ولذلك فإن الصمت أمام الاستبداد أو الاستغلال يُعدّ خيانة للتكليف.
فيقول: «التكليف الإلهي لا يتحقق بالصلاة والصيام فقط، بل بمقاومة الظلم، ونشر العدل، وحماية الحقوق».
وهذا ما يجعله يربط بين الدين والحياة، بين الروح والسلوك، بين العبادة والمجتمع، وهو منظور غائب عن كثير من الخطابات الدينية التي تحصر التكليف في المظاهر.
سادسًا: إعادة قراءة القرآن كمصدر وحيد للتكليف:
في رؤية الكاتب، لا يمكن فهم التكليف الإلهي إلا بالعودة إلى القرآن وحده، ورفض الاستسلام للمرويات التي نسبها الناس للنبي، وقد استخدمت لتكريس العنف، وإقصاء الآخر، وتعظيم طقوس فارغة على حساب المقاصد الكبرى.
يقول: «القرآن الكريم هو المعيار الوحيد للحق، ومن خالفه فقد خالف الله، مهما كانت مكانته».
وهنا يظهر مشروع الكاتب الإصلاحي بكل وضوح: التحرر من سلطة الرواية، وإعادة الإسلام إلى أصله القرآني.
في ختام هذا الجزء، يمكن القول إن المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي قد نجح في تقديم قراءة جديدة وجريئة لفكرة «التكليف الإلهي».
لقد انتقل بالتكليف من كونه عبئًا شعائريًا، إلى كونه مشروعًا إنسانيًا تحرريًا.
جعل من القرآن دستورًا للحرية، ومن العقل شريكًا في الفهم، ومن القيم (العدل، الرحمة، السلام) أساسًا للدين.
ونحن أمام تصور صحيح للرسالة الإسلام: دين يعلي من كرامة الإنسان، لا يفرض عليه القيود؛ دين يحث على التفكير، لا الاتباع الأعمى؛ دين يريد الحياة، لا الموت.
ومن هنا، فإن هذا الفصل يستحق أن يكون حجر الأساس في أي مشروع نهضوي يسعى لتحرير الإسلام من الرواسب التاريخية، والعودة به إلى صفائه الأول، كما أراده الله.
وسنواصل التحليل في أجزاء مقبلة بإذن الله
