يناير 12, 2026

لطالما ارتبطت عبارة «أركان الإسلام» في الذهنية الإسلامية بما يُعرف بالخمس المعروفة: الشهادة، الصلاة، الزكاة، الصوم، والحج. لكن المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي يُعيد قراءة هذه العبارة من منظور قرآني في كتابه «رسالة الإسلام رحمة وعدل وحرية وسلام»، ليكشف أن أركان الإسلام ليست شعائر جامدة، بل منظومة متكاملة من المبادئ والتكاليف التي تهدف لبناء الإنسان والارتقاء به.

في هذا الفصل، يقدم الكاتب رؤية تجديدية حقيقية، يعيد فيها تعريف الأركان لا كواجبات شكلية، بل كمقاصد قرآنية، ويستبعد كل ما لا سند له في كتاب الله. وهو بذلك يسحب البساط من تحت الخطاب التقليدي الذي حوّل الدين إلى طقوس مفصولة عن الحياة.

  • أولًا: ضرورة إعادة فهم «أركان الإسلام»:

  • يبدأ الشرفاء بسؤال جوهري: هل حدّد الله في القرآن أركانًا عددية للإسلام؟
    ويجيب: لا. بل إن القرآن لم يُسمّ «أركان الإسلام» بهذا المصطلح على الإطلاق. كل ما جاء هو تكاليف ومبادئ متكاملة تشكل منهجًا للحياة.
    «لم يرد في كتاب الله مصطلح (أركان الإسلام الخمسة)، وإنما هي تركيبة بشرية اختزلت الدين في خمس عبادات، وغفلت عن العدل والرحمة والحرية».
    ومن هنا، يرى الكاتب أن الخلل بدأ حين تم تحويل الدين من منظومة أخلاقية شاملة إلى مجموعة شعائر تُؤدى دون وعي أو أثر في الواقع.
  • ثانيًا: الصلاة – من طقس فردي إلى بناء وعي جماعي:

  • يرى الكاتب أن الصلاة ليست فقط علاقة بين العبد وربه، بل هي أيضًا مدرسة تربوية يومية تُعيد بناء الضمير، وتذكّر الإنسان بالعدل والحق.
    يقول: «الصلاة في القرآن أُمر بها لإقامة القسط، لا فقط لأداء الركوع والسجود».
    ويستشهد بآية محورية:
    «اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ِ» (العنكبوت: 45)
    الصلاة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لصناعة إنسان سويّ، ينهى عن المنكر، ويعيش وفق الضمير القرآني.
  • ثالثًا: الزكاة – عدالة اجتماعية لا صدقة عابرة:

  • ينتقد الشرفاء اختزال الزكاة في النسبة العددية (2.5%)، ويؤكد أن الزكاة في القرآن تعني التزكية والتطهير، وبناء مجتمع تكافلي عادل.
    «الزكاة ليست مالًا فحسب، بل هي سلوك مستمر في العطاء، لتحقيق التكافل، وإزالة الحسد، وتخفيف معاناة المحتاجين».
    ويستشهد بالآية: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا» (التوبة: 103)
    الزكاة إذًا وظيفة اجتماعية مستمرة، لا ضريبة موسمية.
  • رابعًا: الصوم – انضباط داخلي، لا حرمان جسدي:

  • يرى الكاتب أن الصيام في القرآن هو تدريب روحي وأخلاقي، لا مجرد امتناع عن الطعام. هدفه الأكبر هو التقوى:

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ َ» (البقرة: 183)

ويقول: «أضاع الناس مقصد الصيام، فصاروا يتفننون في الطعام، ويتركون مراقبة النفس وضبطها، فاختزلوا العبادة في طقس دون مضمون».
الصوم إذًا ليس «تجويعًا»، بل ترويض للنفس، وضبط للغريزة، وتزكية للسلوك.

  • خامسًا: الحج – رحلة وعي لا فقط طواف:

  • يؤكد الشرفاء أن الحج عبادة تجمع بين الروح والفكر والحركة، ويرفض اقتصار فهمه على شعائر ظاهرية. يقول:
    «الحج هو سفر نحو الله، وليس مجرد تنقل بين المناسك».
    ويستشهد بالآية: «وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا..» (الحج: 27)
    ويشير إلى أن الآيات القرآنية التي تتحدث عن الحج تُركّز على الذكر، والتقوى، والتفكر، ومنافع الناس، لا على المناسك فقط.
  • سادسًا: غياب العدل والرحمة من قائمة الأركان التقليدية:

  • يرى الكاتب أن اختزال الإسلام في خمس عبادات قد همّش القيم الأخلاقية الكبرى التي جاء بها القرآن، وعلى رأسها:
  • العدل:
    «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ» (النحل: 90)
  • الرحمة:
    «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ» (الأنبياء: 107)
  • الحرية:
    «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ» (البقرة: 256)

يقول الشرفاء:
«كيف يُبنى دين كامل على خمس عبادات، ويُهمل ما هو أساس الرسالة من القيم والمقاصد؟!»

  • سابعًا: هل أركان الإسلام حصرية؟

  • يُشكك الشرفاء في الحصرية العددية للأركان، ويؤكد أن هذا التقسيم ليس قرآنيًا، بل هو اصطلاح بشري، استُخرج من أحاديث مثل:
    «بُني الإسلام على خمس…».
    لكن الكاتب يرفض هذا الإطلاق، لأن القرآن نفسه لم يحصر الإسلام في عدد محدد من الأركان، بل تحدّث عن منظومة شاملة من الإيمان والعمل الصالح والعدل والحرية.
  • ثامنًا: التكامل بين العبادة والسلوك:

  • يُقدّم الشرفاء رؤية قرآنية تجعل من العبادات وسائل لبناء الأخلاق الفردية والاجتماعية، وليست غايات مستقلة.
    فلا فائدة من صلاة لا تنهى عن الفحشاء، ولا من صوم لا يورّث تقوى، ولا من حجّ لا يزكّي النفس.

ويقول: «إذا تحوّلت العبادة إلى عادة، فقدت معناها، وإذا لم تُثمر سلوكًا راقيًا، فهي مجرد حركات».

  • تاسعًا: كيف نعيد بناء مفهوم «أركان الإسلام»؟

  • يطرح الكاتب تصورًا جديدًا لأركان الإسلام، قائلًا إنها تشمل كل ما ورد في القرآن من تكاليف أخلاقية وإنسانية وعبادية، وبالتالي فالأركان ليست خمسة، بل تشمل:
  • إقامة الصلاة
  • إيتاء الزكاة
  • الصيام
  • الحج
  • إقرار العدل
  • الرحمة بالخلق
  • حرية المعتقد
  • إعمال العقل
  • حفظ الأمانات
  • عدم أكل أموال الناس بالباطل
  • قول الحق…
    بهذا المنظور، يصبح الإسلام شريعة حياة كاملة، لا فقط ديانة شعائرية.

يمثل فصل «أركان الإسلام» في فكر علي محمد الشرفاء دعوة واعية إلى تفكيك الجمود الفقهي، وإعادة اكتشاف القرآن بعيون حرة وعقل مستنير.
لقد نزع الكاتب القدسية عن التصورات الموروثة، وأعاد توجيه البوصلة نحو الأصل: القرآن الكريم وحده.
وفي هذه الرحلة، نجده لا ينفي العبادات، بل يعيد ربطها بجوهرها: الرحمة، والعدل، والتقوى، والتحرر من النفاق والشكلية.
إن هذا الفصل يفتح بابًا جديدًا لفهم الإسلام، لا بوصفه نظامًا من الطقوس، بل مشروعًا حضاريًا متكاملًا، يبني الإنسان من الداخل، ويعيد للعبادة معناها وغايتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *