كتب: رائف الخولي
ينطلق المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي في هذا الفصل من كتابه «رسالة الإسلام رحمة وعدل وحرية وسلام»، من فكرة محورية وحاسمة في تجديد الفكر الإسلامي، وهي: أن الله وحده هو من يملك سلطة التحريم، وأن أي تحريم لم يرد في كتاب الله فهو باطل شرعًا، لأنه اعتداء على اختصاص الخالق، وتعدٍّ على حرية الإنسان.
وفي ظل ما يصفه بـ«الغزو الروائي» للتشريع الإسلامي، يعيد الكاتب بناء قائمة المحرّمات انطلاقًا من النص القرآني الخالص، داعيًا إلى وقف تحكيم الروايات والأهواء في تقييد حياة الناس.
- أولًا: سلطة التحريم في الإسلام محصورة بالله وحده:
يرى الكاتب أن التشريع، خاصة في باب التحليل والتحريم، من اختصاص الله وحده. وهو لا ينكر أن النبي ﷺ مبلّغ للوحي، لكنه يرفض أن تُنسب للنبي أحكام لم يُوحَ بها من الله.
ويؤكد أن القرآن بيّن ذلك بوضوح:
«قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ» (يونس: 59)
ويقول: «من ذا الذي يملك حق التحريم غير الله؟ ومن يُحرِّم ما أحل الله، أو يُحلّ ما حرّم الله، فقد أشرك بالله، وساوى نفسه بالخالق في التشريع».
- ثانيًا: الحصر القرآني للمحرمات:
ينبّه الشرفاء إلى أن القرآن لم يجعل المحرّمات كثيرة، بل حصرها في مجموعة واضحة من الأفعال والأقوال التي تُهدد الإنسان والمجتمع، ويمكن تلخيصها كما يلي:
- المحرّمات في سورة الأنعام:
«قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ» (الأنعام: 151–153)
ثم يذكر:
- الشرك بالله
- عقوق الوالدين
- قتل الأولاد من إملاق
- الاقتراب من الفواحش
- قتل النفس
- أكل مال اليتيم
- الغش في الكيل والميزان
- قول الزور
- نقض العهد
- المحرّمات الغذائية:
«إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ…» (البقرة: 173) - الفواحش في العلاقات:
مثل الزنا، واللواط، وأي علاقة جنسية خارج الزواج الشرعي.
- ثالثًا: الفرق بين المحرمات القرآنية والمحرّمات المختلَقة:
ينتقد الكاتب بشدة قائمة المحرّمات التي ضخّمتها كتب الفقه والحديث، والتي جعلت من حياة المسلم سلسلة من المحظورات.
فبعض هذه المحرّمات لا تستند إلى نص قرآني، مثل: - تحريم لبس الحرير للرجال
- تحريم الموسيقى والغناء
- تحريم الصور والتماثيل
- تحريم مصافحة المرأة
- تحريم تهنئة غير المسلمين
- تحريم زيارة القبور للنساء
وقال: «لقد صنع الفقهاء قائمة طويلة من التحريمات لم يحرّمها الله، حتى أصبح الدين عبئًا على الإنسان، بدل أن يكون رحمة له». - رابعًا: مقاصد التحريم في القرآن
يرى الشرفاء أن كل محرّم قرآني له علّة واضحة ومقصد شرعي محدد، وهو حماية الإنسان من الضرر، سواء كان ماديًا، أو نفسيًا، أو اجتماعيًا.
الفئة المقصد من التحريم
الشرك …………………….. حفظ العقيدة والتوحيد
القتل …………………….. حفظ النفس
الزنا ………………………. حفظ العرض والأسرة
مال اليتيم …………….. حماية الضعفاء
الغش والظلم…………….. تحقيق العدل
أكل الميتة…………………. حفظ الصحة العامة
الكذب وقول الزور………. حماية الحقوق والعدالة
وبالتالي، فالتحريم ليس عشوائيًا أو عبثيًا، بل مرتبط بمقاصد كبرى تهدف لحماية الإنسان والمجتمع. - خامسًا: تحذير القرآن من الافتراء على الله:
يركّز الكاتب على أن نسبة التحريم إلى الله دون دليل قرآني هو من أعظم الذنوب. ويستشهد بقول الله:
«وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ..» (النحل: 116)
ويعلّق:
«حين يُحرّم الإنسان باسم الدين ما لم يحرّمه الله، فهو في الحقيقة يفتري على الله الكذب، ويظلم الناس بتقييد حرياتهم دون حق».
- سادسًا: نتائج التحريم الزائد في المجتمعات الإسلامية:
يشرح الكاتب آثار التوسّع في التحريمات غير القرآنية، وأهمها: - الخوف من الله بدل محبته
- تضييق الحياة باسم الدين
- تعقيد العلاقات الاجتماعية
- عزوف الناس عن الدين
- سيطرة فئة من الفقهاء على حياة الناس
ويقول:
«أدى الإفراط في التحريم إلى تكوين عقلية متشددة، ترى في كل مباح مظنة الحرام، وتعيش في خوف دائم من الوقوع في الخطأ، وكأن الله خلق الإنسان ليعذّبه لا ليكرّمه».
- سابعًا: مكانة الحرية في التشريع القرآني:
يربط الشرفاء بين تقليص التحريم وضمان حرية الإنسان، ويؤكد أن الإسلام دين يحرر لا يقيّد، ودين يفتح آفاق التفكير لا يغلقها.
ويستشهد بقول الله:
«يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» (البقرة: 185)
ويقول:
«إذا كانت الشريعة هدفها التيسير، فلماذا نحاصر الناس بآلاف المحرّمات التي لم يأمر بها الله؟!»
- ثامنًا: علاقة المحرّمات بالقيم القرآنية:
يشدد الشرفاء على أن المحرّمات في الإسلام مرتبطة ارتباطًا عضويًا بالقيم الكبرى، فهي ليست أوامر جافة، بل وسائل لحماية: - الكرامة الإنسانية
- العدالة
- الرحمة
- الحرية
- الحقوق
«كل تحريم قرآني يحمل قيمة أخلاقية، ويهدف إلى صناعة مجتمع عادل آمن متراحم». - تاسعًا: دعوة للعودة إلى مرجعية القرآن وحده في التحريم:
يؤكد الكاتب أن الطريق لتصحيح مسار الأمة يبدأ من العودة إلى القرآن كمرجع وحيد للتحليل والتحريم، ويدعو إلى تجاهل كل نص لا يستند إلى كتاب الله.
«ليس من حق أحد أن يُحرّم شيئًا باسم الإسلام إلا إن كان لديه دليل صريح من كلام الله. غير ذلك هو عدوان على الدين والإنسان معًا».
ويقدّم القرآن نفسه كدستور مكتمل:
«تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ» (النحل: 89)
«وَمَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ» (الأنعام: 38)
في هذا الفصل الجريء، يعيد علي محمد الشرفاء ضبط البوصلة الفكرية للأمة، ويعيد بناء فقه التحريم على أساس قرآني نقي.
لقد انتشل الدين من سطوة الرواية والتقاليد، وأعاده إلى منطق الرحمة والعقل والعدل.
إن تحديد ما هو حرام في الإسلام ليس شأنًا بشريًا، بل حق إلهي لا ينازع، ومن خالف ذلك فقد شرّع بغير إذن، وحوّل الدين إلى سجن من الممنوعات بدلًا من كونه طريقًا للسلام.
هذا الطرح يجعل من القرآن المرجع الحصري للتشريع، ويُعيد للمسلم حريته وكرامته، ويهدم سلطة التحريم الزائف التي كادت تخنق الحياة.
