يناير 12, 2026

بقلم: رائف الخولي

بعد أن وضع الكاتب والمفكر العربى علي محمد الشرفاء الحمادي في القسم الأول من كتابه «المسلمون بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي» الأساس الفكري لتمييز المرجعية القرآنية عن الخطاب الديني البشري، انتقل إلى تفصيل أعمق يتعلق بجوهر الدين الإسلامي وممارساته العملية. ركز المؤلف على قضية بالغة الأهمية، وهي أركان الإسلام وما تعرضت له من «اختزال واستغفال»، مبينًا أن الفهم السطحي لهذه الأركان ساهم في تغييب البعد القيمي والأخلاقي للرسالة الإسلامية، وحصرها في طقوس شكلية لا تتجاوز العبادات المادية.

يتميز هذا الجزء من الكتاب بجرأة المؤلف في إعادة تعريف الأسس الكبرى للدين، حيث يرفض حصر الإسلام في الطقوس وحدها، ويؤكد أن القرآن جاء في الأصل ليقيم نظامًا متكاملًا للحياة يقوم على العدل، والرحمة، والقيم الإنسانية، جنبًا إلى جنب مع شعائر العبادة.

مقتطفات مهمة

يقول المؤلف في هذا السياق:

«أركان الإسلام ليست مجرد شعائر شكلية يؤديها المسلم بلا تدبر، وإنما هي منظومة متكاملة تبدأ بالعبادات، وتشمل أيضًا القيم والأخلاق، وتنتهي بالمحرمات التي تحفظ للإنسان كرامته وتصون المجتمع من الفساد والانحراف»

ويؤكد أن الرسالة القرآنية لا يمكن أن تختزل في الطقوس فقط:

«لم يؤسس القرآن لأي نزعة لاهوتية، وإنما هو رسالة، هدفها تحرير الإنسان من الظلم والجهل والعبودية والأنانية، رسالة تؤكد وتؤسس لمعانٍ سامية ونبيلة مثل: الحب والتسامح والعدل والعقلانية وقبول الآخر ونشر السلام والسعي للمعرفة»

كما يشير إلى أن الخطاب الديني هو الذي أساء إلى فهم الإسلام:

«لقد وضعت المرجعيات والتفسيرات التي وضعها علماء الحديث والفقهاء المسلمين في مأزق، إذ طمست الوجه المشرق للإسلام وشوهت صورته السمحاء»

هذا الجزء من الكتاب يكشف عن العمق الإصلاحي في فكر الكاتب؛ فهو لا يكتفي بالدعوة إلى العودة للقرآن، بل يسعى إلى إعادة تعريف الدين ذاته في ضوء النص القرآني.

من أبرز ما يميز تحليله أنه يربط بين الشعائر (كالصلاة والصيام) وبين منظومة القيم التي تؤطرها. فالصلاة ليست مجرد حركات بدنية، وإنما وسيلة لغرس قيم الصدق، والعدل، والتسامح. والصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، وإنما مدرسة لتربية الضمير الإنساني على ضبط النفس والشعور بالآخرين. بذلك يحرر المؤلف الدين من الاختزال الشكلي، ويعيد إليه عمقه الإنساني والأخلاقي.

النقطة الثانية التي تستحق المدح هي شجاعة الكاتب في مواجهة التلاعب بالخطاب الديني. لقد أوضح أن أعداء الأمة والمتربصين بها استغلوا الروايات والفقه البشري لإشاعة الفرقة بين المسلمين، وتحويلهم إلى جماعات متناحرة. وهنا يتبدى جوهر مشروعه: إنقاذ المسلمين من أسر الماضي، وردّهم إلى القرآن الكريم باعتباره دستورًا حيًا قادرًا على تنظيم حياتهم في كل زمان ومكان.

كما أن حديثه عن «المحرمات» كجزء من أركان الإسلام يفتح بابًا مهمًا لفهم الدين: فالإسلام ليس فقط عبادات، بل أيضًا تشريعات أخلاقية تحمي الفرد والمجتمع، مثل تحريم القتل، والزنا، وأكل أموال الناس بالباطل. بهذا يضع المؤلف الإسلام في مكانه الطبيعي: دين يوازن بين عبادة الله وخدمة الإنسان.

إضافة إلى ذلك، فإن الكاتب يرد بقوة على من يتهم الإسلام بأنه ضد العلم أو التقدم. على العكس، يبين أن القرآن يحض على التفكير، والتدبر، والسعي في طلب المعرفة. فالدين عنده ليس قيدًا على العقل، بل محررًا له. وهذه رؤية تقدمية تجعل من الإسلام دينًا مواكبًا للعصر، لا معاديًا له.

يكشف هذا الجزء من الكتاب أن علي محمد الشرفاء لم يكتب دفاعًا شكليًا عن الإسلام، بل قدم مشروعًا متكاملًا لإعادة بنائه على أسس قرآنية. فهو يوضح أن أركان الإسلام لا تنفصل عن الأخلاق والقيم، وأن العبادة بلا أخلاق مجرد طقس أجوف. وفي المقابل، فإن الالتزام بالخطاب الإلهي يمنح المسلم منظومة شاملة تنظم علاقته بربه، وبنفسه، وبالآخرين.

بهذا التوضيح، يمهد المؤلف للجزء اللاحق، حيث يدخل في مقارنة مباشرة بين الخطاب الديني بما فيه من عنف وتكفير، وبين الخطاب الإلهي بما يحمله من رحمة وعدل وسلام. وهذه المقارنة ستكشف – كما سنرى في الجزء الثالث – الفارق الجوهري بين ما هو بشري متغير، وما هو إلهي خالد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *