يناير 13, 2026
المفكر العربي علي محمد الشرفاء

المفكر العربي علي محمد الشرفاء

لم يكن الإسلام في جوهره مشروعًا للغزو ولا رسالة لفرض الهيمنة ولا دينًا لتبرير القتل وسلب الأوطان، بل جاء وحيًا من الله ليكون منهاجًا حضاريًا يحرر الإنسان من الظلم ويقيم العدل ويصون الكرامة ويؤسس لعلاقات إنسانية قائمة على السلام والتعاون.
لكن ما تعرض له الإسلام عبر التاريخ من تشويه كان نتيجة أفعال بشرية نسبت إلى الدين زورًا حين حولوا الرسالة الربانية من مشروع هداية وعدل إلى أدوات صراع وعدوان وغطوا جرائمهم باسم الله، فكان الضرر أعظم على الإسلام من أعدائه.
لقد وضع الله في الإسلام شرعة ومنهاجًا لتكون خارطة طريق للحياة الفردية والجماعية تقوم على العدل والرحمة والمسؤولية والحرية ولم يجعلها دعوة لاحتلال ولا اعتداء ولا قهرًا للشعوب قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣].
فالإسلام في أصله وحدة قيم لا مشروع تفريق وصراع.

العدل أساس الحكم في الإسلام
لم يترك الله مسألة الحكم لاجتهادات أهواء البشر، بل قرر مبدأ حاكمًا لا يقوم مجتمع بدونه وهو العدل، وعدل الإسلام ليس موجهًا للمسلمين فقط، بل للناس جميعًا دون تمييز.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠].
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: ٨].
فالعدل فريضة حتى مع من نختلف معهم، وليس رخصة تسقط عند الخصومة.

حرية الإنسان في اختيار الدين والحياة
جعل الله الحرية ركنًا أصيلًا في الرسالة الإسلامية، فلا إكراه في الدين، ولا قهر على العقيدة، ولا وصاية على ضمائر الناس.
قال الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
وقال سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
فهذه الآيات تقطع الطريق على كل من ادعى أن الإسلام انتشر بالسيف أو قام على الإجبار.

تحريم العدوان وتجريم الحرب الظالمة
الحرب في الإسلام ليست أصلًا ولا هدفًا، بل استثناء دفاعي تحكمه قيود أخلاقية صارمة ويمنع فيها الاعتداء بكل صوره.
قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠].
وقال سبحانه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].
فكيف ينسب للإسلام ما يخالف نصوصه القطعية في تحريم القتل والعدوان.

الشورى ومسؤولية الحاكم
لم يعرف الإسلام الحكم المطلق ولا التقديس السياسي، بل قرر مبدأ الشورى وربط السلطة بالمسؤولية والمحاسبة.
قال الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨].
فالحاكم في الإسلام مؤتمن لا متسلط ومسؤول لا معصوم.

التعاون والسلام قاعدة العلاقات الإنسانية
لم يأت الإسلام ليعزل المسلمين عن العالم، بل دعا للتعاون على الخير والبر ونبذ العدوان.
قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
وقال سبحانه: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١].
فالأصل هو السلم لا الحرب، والتعاون لا الصدام.

كيف شوهت الرسالة
حين تم اختزال الإسلام في خمسة أركان مجردة من مقاصدها، وحين أفرغت آيات القرآن من معانيها الحضارية، وحين رفعت شعارات دينية لتبرير الغزو والقتل دفنت قيم الإسلام الحقيقية تحت ركام الجرائم، فصار الإسلام متهمًا بأفعال لا تمت إلى كتاب الله بصلة.
قال الله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥].

الخاتمة
إنَّ رفع الظلم عن الإسلام لا يكون بالدفاع العاطفي ولا بتبرير التاريخ، بل بالعودة الصادقة إلى القرآن مرجعًا وحيدًا وفهمًا شاملًا يعيد للرسالة معناها الحقيقي رسالة عدل وحرية ورحمة وسلام للناس جميعًا.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *